ابن حزم

154

رسائل ابن حزم الأندلسي

وربما كان المحبوب كارهاً لإظهار الشكوى متبرماً بسماع الوجد ، فترى المحب حينئذ يكتم حزنه ويكظم أسفه وينطوي على علته ، وإن الحبيب متجن ، فعندها يقع الاعتذار عن كل ذنب والإقرار بالجريمة ، والمرء منها بريء ، تسليماً لقوله وتركاً لمخالفته . وإني لأعرف من دهي بمثل هذا فما كان ينفك من توجيه الذنوب نحوه ولا ذنب له ، وإيقاع العتاب عليه والسخط وهو نقي الجلد . وأقول شعراً إلى بعض إخواني ، ويقرب مما نحن فيه ، وإن لم يكن منه : [ من الطويل ] وقد كنت تلقاني بوجه لقربه . . . تراض وللهجران عن قربه سخط وما تكره العتب اليسير سجيتي . . . على أنه قد عيب في الشعر الوخط فقد يتعب الإنسان في الفكر نفسه . . . وقد يحسن الخيلان في الوجه والنقط تزين إذا قلت ويفحش أمرها . . . إذا أفرطت يوماً وهل يحمد الفرط ومنه : أعنه فقد أضحى لفرط همومه . . . يبكي له القرطاس والحبر والخط ولا يقولن قائل إن صبر المحب على ذلة المحبوب دناءة في النفس فهذا خطأ ، وقد علمنا أن المحبوب ليس كفؤاً ولا نظيراً فيقارض بأذاه ، وليس سبه وجفاه مما يعير به الإنسان ويبقى ذكره على الأحقاب ، ولا يقع ذلك في مجالس الخلفاء ولا في مقاعد الرؤساء ، فيكون الصبر مستجراً ( 1 ) للمذلة ، والضراعة قائدة للاستهانة ؛ فقد ترى الإنسان يكلف ( 2 ) بأمته التي يملك رقها ، ولا يحول حائل بينه وبين التعدي عليها ، فكيف الانتصاف منها . وسبل الامتعاض من السب غير هذه ، إنما ذلك بين علية الرجال الذين تحصى أنفاسهم وتتبع معاني

--> ( 1 ) قراءة بتروف : مستجرة ؛ وفي بعض الطبعات : جاراً ؛ وهو تحكم في تحوير الأصل . ( 2 ) في معظم الطبعات : لا يكلف .